"قلب أرهقته الحياة. ............الفصل الثالث والعشرون أنهت هدى وقتها مع عائلتها وهى فى قمة السعادة ، لقد احست بالاطمئنان عليهم فعلا ، ولم تشعر بذلك منذ فترة حتى عندما كانت تعيش معهم ، فقد تم تسديد دين والدتها كاملا ، واعتدلت حياتهم وتم تأمينها ، والسوبر ماركت الذى تم إنشائه أصبح يوفر معظم مصاريفهم ، الآن تستطيع أن تعود لدائرة آلامها هى فقط ، دون القلق عليهم هنا ، وصلت بها السيارة لنفس المبنى الذى كانوا يسكنوه قبل سفر الأمير بعد العملية ، دخلت من باب الشقة ، وقابلته بإبتسامتها الساحرة من بعيد ، كانت تبدوا مختلفة تماما عن قبل يومين ، هرولت إليه ، قابلها بملئ زراعيه، قبلته هى أولا ، لم تعرف اهتماما للواقفين من الخدم والأمن يخرجون الحقائب ، ولم يهتم هو الأخر من فرحته برد فعلها الجديد ، بادلها الاحضان والقبلات بدون اى كلام ، تمعن فى عينيها جيدا ، بالفعل افتقدها طوال هذا الوقت ، فقد تركها بدون اى اتصال منه ، تركها لتستمتع بوقتها مع أهلها بدون اى شوائب تعكر صفو سعادتها ، انحنى قليلا ، وضع يديه الأخرى تحت ركبتيها، ورفعها وضمها إليه واتجه بها لغرفته ، لم يعر اهتماما للطائرة المنتظرة ، أو الخدم الموجود ، أو السيارات المحملة بالحقائب، فقط أراد إرواء عطشه من هذه الأنثى التى ملأت كيانه ووقته وحياته، وهى أعني بهدوء وبابتسامة راضية ، تحمل معنى الشوق الممزوج بالسعادة منذ بداية علاقتهما الشرعية . قالت وهى طائرة على زراعيه لغرفته ...الطيارة ، والناس دى ... ...الطيارة بتاعتى، والناس موظفين عندى ، وأنا اللى أحدد الوقت مش هم ... ...هههههههه ، ياي ، انا بقيت جريئة اوى ... ...هههههههههههههههه ، وأنا مش عايز اكتر من كدة ************************ حطت الطيارة على اراضى المملكة ، فاجأها عندما عادوا بانتهاء أوراق تقدمها لإنهاء الماجستير فى الجامعة هناك ، ولكن بشكل منزلى ، لا تذهب للجامعة إلا للضرورة القصوى ، وخصص لها اثنان متخصصين لمساعدتها فى تجميع البحوث العينات الحية ، لتكمل ما أرادت بشكل جدى ، كانت سعيدة بحق لأيام طويلة ، فبعد أسبوعين من وقتها قد تأكد الحمل ، بالطبع لا توصف سعادته أو سعادة الأمير الذى ارسل لها خادمة خاصة لترتاح أكثر ، لكن خالد قام بتغيير الخادمة ، فهو أعلم الناس بأبيه ، ويعلم أن هدفه الأول من الخادمة هو التلصص على جديد الأخبار ، وقد كان خالد حريص جدا على خصوصية علاقته بهدى . مرت الأيام بأسرع وتيرة ممكنة ، هدى مهتمة بدراستها وقد قطعت فيها شوطا جيدا ،وبالطبع المال والسلطة يلغى كل العقبات ، وجنينها كان بصحة جيدة ، و تم التعرف على جنسه فى الشهر الرابع لها ، وكان لهم ما أرادوا، لم يهدد استقرار نفسيتها إلا ارتباطها بجنينها الذى يزداد كلما زاد حجمه أو شعرت بحركته ، لم تعد قادرة على التفكير فى موضوع تنازلها عن طفلها ، فهو الآن ابنها ، جزء لا يتجزأ منها ، ولا تعلم ماذا تفعل الآن لتكون مع طفلها ولا تتركه ، قررت فتح الموضوع مع خالد ، وإيجاد طريقة لاستمرار وجودها مع طفلها ، انتظرت عودته فى نفس الليلة ، فلم تعد قادرة على الانتظار أكثر ، عاد من الخارج واتجه لمكتبه لينهي بعض الملفات ، قامت متوجهة لمكتبه ، طرقت الباب ودخلت ، بمجرد رؤيتها ، قام لها مبتسما ، أمسك بيدها واجلسها ، وعاد هو لكرسى مكتبه مرة أخرى ، كان يبدوا على وجهها الضيق وقد لاحظه بمجرد دخولها . وقبل حتى أن تتحدث بدأت عينيها تلمع من امتلائها بالدموع ، فتوقع خالد ما هى بصدده فبالنسبة له كانت مسألة وقت لا أكثر ،وتفتح الحوار فيه، ...فى موضوع كنت عايزة اكلمك فيه ، بس خايفة تدايق منى بس لازم نتكلم فيه ... المقدمة كانت دليل كافى على ما كان يفكر فيه صحيح ، فقد أتاحت له الفترة الماضية أن يعلم بشخصيتها جيدا ، فهى ليست من النساء اللاتى يتنازلن عن أطفالهم بسهولة . ...عارف ياهدى ، عايزة ايه ... ...عايزة أفضل معاه ... ...ولو قلتلك انه مينفعش. .. ...شوف طريقة ، أتصرف ... ...أذاى ، تفتكرى هيسمحولك ويسمحولى. .. ...أنت أبوه وأنا أمه ، إحنا بس ... لم يدعها تكمل كلمتها ...احنا ايه ، مفيش احنا عند فياض البدرى ، فى هو بس ، وده حفيده ، ومش هيتنازل عنه ... ...أنا مقولتش يتنازل عنه ... ...هو مش عايزه منك ياهدى ، الكل عارف ان ليان حامل ، وهتولد فى نفس ميعادك والطفل ده هيكون ابنها وده اللى هما عايزينه ومش هيغيروه ... ...وانت عايز ايه ؟ ...أنا مش هقدر احميكى منهم ، انا مجرد موظف فى شركاتهم ، سلطتى وفلوسى معتمدة عليهم ، لو حبوا يعملوا فيكى حاجة ،مش هقدر امنعهم ، انا خايف عليكى انتى ... هنا بدأت تفقد اعصابها تماما ، لم تعد قادرة على التحكم فى نفسها ، قامت من مكانها وهى تصرخ ...خايف عليكى ، خايف عليكى ، كل أما تتكلم تقول خايف عليكى ، انا مش عايزاك تخاف عليا ، انا عايزاك تتصرف وتخلينى مع ابنى ، حتى ولو خدامة ،ده ابنى ، ابنى انا ... بدأت تنهار وتفقد قواها ، حاول الاقتراب منها ، فلم تسمح له ، وابتعدت عنه خطوتين ، جلست على الأرض تبكى وهى تقول ...أنا عايزاه ، عايزاه ، مش هقدر اسيبه .... ...ارجوكى ياهدى ، اهدى لو سمحتى ، انتى كدة هتتعبى ، انتى فى السابع ، خلاص قربتى تولدى ، وبعدها نشوف هنعمل ايه ... ...لا ، انت بتكدب عليا ، انت ضعيف ياخالد ، ضعيف ، ومش هتقدر تعمل حاجة ، هتسيبهم يخدوه ، حتى مش هتقدر تحميه ، تحمى ابنك ، بلاش انا ، هتسيبهم يخدوه ، عشان انت ضعيف ، وأنا بكره الضعيف قدام اهله ، بكره الضعيف ، فاهم ، بكرهك ، بكرهك ياخالد بكرهك .... وهنا انهارت تماما ولم تعد قادرة حتى على حمل نفسها ، أغمضت عينيها ، ولم تعد تشعر بشئ ، صرخ خالد على الخدم وهو يحاول افاقتها، حملها واتجه بها لباب الشقة ومنها للاسانسير، ثم سيارته ، واتجه بها للمستشفى ، بعدما أخبره الطبيب أن حالتها غير مستقرة وضغط دمها منخفض جدا ، وايضا ضربات قلب الجنين مرتفعة ، وانقباضات الرحم فى اذدياد ، وهى عرضة الآن للولادة فى اى لحظة ، اتصل خالد بوالده ليخبره بما حدث ، وما هى الا دقائق معدودة حتى وصلت سيارة أسعاف خاصة بمستشفى اخرى ، تم نقل هدى اليها حتى تتسنى لهم الولادة دون تسجيلها، ************************ افاقت هدى بعد خمسة أيام ، وجدت نفسها فى العناية المركزة بالمستشفى، لم تعى الكثير غير أنها وحدها ولا يوجد مخلوق معها غير الممرضة ، وضعت يدها على بطنها، فأيقنت انه غير موجود ، تمت الولادة ، لكن أين هو ، سألت الممرضة عن الطفل وعن حاله ، فلم تفهم الممرضة عن أى طفل تتحدث ، استدعت الطبيب ، الذى بدا عليه إدراك ما يحدث وطلب من الممرضة إعطائها حقنة معينة ، وبعدها دخلت هدى فى ثبات عميق ، استيقظت بعدها بمدة معينة لم تعلمها ، لكن هذه المرة وجدت خالد بجانبها ، علمت بعد ذلك أنه أخبرهم فور استيقاذها، يتم الاتصال به ، سألته هدى وهى فى قمة الاعياء .... أخباره ايه ؟ هو فين ... ...كويس الحمد لله ، هو فى الحضانة ... ...ليه ؟ مش بتقول كويس ... ...أيوة كويس ، بس مولود فى السابع ، محتاج شوية اهتمام ... حاولت تعتدل وهى تقول ...عايزة اشوفه ، ودينى ليه ... ... هو مين . ؟... كان هذا الصوت صادر من عند الباب ، كان الأمير فياض بنفسه . وجه خالد له الكلام بعتاب ... اتركها ياأبى ، إيش تريد دالحين ، بعدها ضعيفة ، ماراح تتحمل. .. ...أخرج لو سمحت ياخالد ، أبى أتكلم معها ... ... لو سمحت ياأبى ... ...قلت أخرج ياخالد .. تطلع خالد لهدى بضعف وقلة حيلة ، ثم تركها وخرج ، كل هذا وهى تتطلع بعينيها بينهم لعلها تفهم شئ عن ابنها ، لم تفهم شئ ولكن انقبض قلبها فقط . اقترب منها الأمير ووقف أمامها فى قمة التكبر والغطرسة، ...عايزة اشوف ابنى ، هو فين ؟ ...اتكلمنا فى هاالموضوع ياهدى ، هاى الطفل ما سار ابنك ، هاد ابن ليان ، وهو عندها ، واتكتب باسمها ... اعتدلت هدى بضعف وهى تقول ...يعنى إيه عندها ، يعنى هو مش هنا ... ..،لأ ، المفروض اتكلمنا واتفقنا من وقتها ، إيش تريدى ، انتهى الموضوع ... ...مش عايزة حاجة ، ابنى وبس ... ...قلتلك ، ما سار ابنك ، اعتبريه ماكان ، ما تضطرينى اعمل معك شئ ما راح تحبيه ... ...أعمل اللى انت عايزه ، مبقتش تفرق ... ...لأ تفرق ياهدى ، لما يكون المقصود والدتك ، راح تفرق ... ...مالها أمى ، مالك ومالها ... ...مثل ما هسجنك بقضيتك القديمة ، راح اسجنها بمديونيتها اللى ابتعتها من أصحابها ، وراح اضيعلك خواتم البنات واحدة واحدة ، ما راح أغلب فيهم ، إيش رأيك فى هاد ... ...الشيكات اللى على أمى اتقطعت ... ..الشيكات معى ، اللى اتقطع ماهو حقيقى ، مزور ... بدأت دموعها تنهار شلالات على خدودها وهى تقول ...أنتى مش بنى ادم ... ...احرصى لسانك ، وإلا راح اقصهولك ، الاختيار ليكى ، أما تعودى بلدك معززة مكرمة ، ومعك مصارى تكملى بيها بقية حياتك ، أما تموتى هنا فى سجنك وتبعتك بقية اهلك ... وتركها منهارة وخرج من الغرفة ، دخل خالد بعده فوجدها على هذه الحالة ، بمجرد أن حاول الاقتراب منها ، رفعت يدها له وهى تقول ....مكانك ، كفاية كدة ، مش عايزة اشوفك تانى ، روح لحالك ... ...هدى ... ...قولتلك روح لحالك ، وعلى رأى ابوك ، الموضوع خلاص انتهى ... خرج خالد ودموعه تلمع فى عينيه ، فوجئ بأبوه يقف أمام باب الغرفة ، رفع عينيه له وهو يقول ..،هيك ارتحت ... ... وما راح يكون لك أى صلة بهاى البنت مرة تانية ، وإلا راح اسوى تهديدى إلك وإلها ، بتفهم هاد ... "قلب أرهقته الحياة. ........الفصل الرابع والعشرين يومان فى المستشفى وثلاثة فى المسكن الذى كانت تقطنه مع خالد ، قضتهم هدى تحاول فيهم استيعاد قوتها لتعود لمصر ، لكن حزنها على وليدها كان حائلا دون ذلك ، فحقيقى لا تشعر الأنثى بأمومتها الحقيقية إلا فى وجوده وهو ينمو فى احشائها ، ترتبط به يوم بعد يوم ، حتى وإن لم تراه كما الحال مع هدى . لم تشعر هدى بالوحدة والذل والمهانة كما حدث فى هذه الأيام القليلة ، فقد تركت وحيدة تماما حتى دون خالد ، فلم يسأل عنها ولو مرة واحدة بعدما حصلوا على ما أرادوا منها . هى الآن هنا لاشئ ، لا قيمة ، فقط مجرد أنثى منتهكة ومجردة من كل شئ ، آدميتها ، كرامتها ، انوثتها، مشاعرها ، والأهم ولدها ، الرضيع الذى ولد قبل أوانه بشهرين ، ولم يشفع ذلك لهم ليتركوه لأمه حتى يكتمل . لم تسأل عن الأموال التى وعدوها بها ، أو حتى شيكات أمها ، لم تفكر فى اى شئ ، فقط عقلها متجمد ، تعيش فى حالة تجهم غريبة ، ترفض كل شئ ، ترفض الحياة نفسها ، أصبحت هدى مجرد أنثى تعيش لتتمنى الموت ،،،، ********************* بعد ثلاثة أيام من خروجه من المستشفى التى تم تسجيلها فيها على أنها حالة استئصال مرارة ، وليس الحقيقة ، ولادة ، اتاها شخص من طرف الأمير ، بجميع الأوراق الخاصة برجوعها ، مع ورقة إخلاء طرف من العقد المنصوص عليه بينهم ، وجميع مستحقاتها المادية الخاصة بهذا العقد ، وبالطبع الشيكات الحقيقية الخاصة بوالدتها ، بالإضافة لاوراق معتمدة من أحد البنوك الدولية بإيداع مبلغ يتعدى الخمسة ملايين ريال سعودي ، وبالطبع لم يغفل الرسول عن أن يبلغها ببعض من تهديدات الأمير وتنبيهاته بخصوص عدم الرجوع عن القرار الذى اتخذته ، وإلا لن تجد غير ابواب الجحيم تفتح عليها وعلى عائلتها. وفى النهاية أعطاها أوراق حجز وتذكرة طائرة لليوم التالى ، ودعت هدى المملكة السعودية ، ومعها ودعت هدى القديمة ، ودعت نفسها ، ودعت طفلها الذى لم تراه ، ودعتهم بدموع قلب ودعاء وتضرع لخالقها بالجمع بينها وبين طفلها فى يوم من الأيام . عادت لمصر بشخصية جديدة تماما ، هدى جديدة ، شخصية أكل الحزن والذل قلبها وكرامتها ، أصبحت أنثى حاقدة على الحياة وكارهة لها ، فياترى هل سيتم ترميم قلبها مع الزمن ، هل ستعود للحياة ، هل ستعود هدى القديمة أو حتى أنثى جديدة تنسى الماضى وتتصالح مع المستقبل . **************************** ،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،، وبعد مرور 7 سنوات ............
"قلب أرهقته الحياة. ............الفصل الثالث والعشرون أنهت هدى وقتها مع عائلتها وهى فى قمة السعادة ، لقد احست بالاطمئنان عليهم فعلا ، ولم تشعر بذلك منذ فترة حتى عندما كانت تعيش معهم ، فقد تم تسديد دين والدتها كاملا ، واعتدلت حياتهم وتم تأمينها ، والسوبر ماركت الذى تم إنشائه أصبح يوفر معظم مصاريفهم ، الآن تستطيع أن تعود لدائرة آلامها هى فقط ، دون القلق عليهم هنا ، وصلت بها السيارة لنفس المبنى الذى كانوا يسكنوه قبل سفر الأمير بعد العملية ، دخلت من باب الشقة ، وقابلته بإبتسامتها الساحرة من بعيد ، كانت تبدوا مختلفة تماما عن قبل يومين ، هرولت إليه ، قابلها بملئ زراعيه، قبلته هى أولا ، لم تعرف اهتماما للواقفين من الخدم والأمن يخرجون الحقائب ، ولم يهتم هو الأخر من فرحته برد فعلها الجديد ، بادلها الاحضان والقبلات بدون اى كلام ، تمعن فى عينيها جيدا ، بالفعل افتقدها طوال هذا الوقت ، فقد تركها بدون اى اتصال منه ، تركها لتستمتع بوقتها مع أهلها بدون اى شوائب تعكر صفو سعادتها ، انحنى قليلا ، وضع يديه الأخرى تحت ركبتيها، ورفعها وضمها إليه واتجه بها لغرفته ، لم يعر اهتماما للطائرة المنتظرة ، أو الخدم الموجود ، أو السيارات المحملة بالحقائب، فقط أراد إرواء عطشه من هذه الأنثى التى ملأت كيانه ووقته وحياته، وهى أعني بهدوء وبابتسامة راضية ، تحمل معنى الشوق الممزوج بالسعادة منذ بداية علاقتهما الشرعية . قالت وهى طائرة على زراعيه لغرفته ...الطيارة ، والناس دى ... ...الطيارة بتاعتى، والناس موظفين عندى ، وأنا اللى أحدد الوقت مش هم ... ...هههههههه ، ياي ، انا بقيت جريئة اوى ... ...هههههههههههههههه ، وأنا مش عايز اكتر من كدة ************************ حطت الطيارة على اراضى المملكة ، فاجأها عندما عادوا بانتهاء أوراق تقدمها لإنهاء الماجستير فى الجامعة هناك ، ولكن بشكل منزلى ، لا تذهب للجامعة إلا للضرورة القصوى ، وخصص لها اثنان متخصصين لمساعدتها فى تجميع البحوث العينات الحية ، لتكمل ما أرادت بشكل جدى ، كانت سعيدة بحق لأيام طويلة ، فبعد أسبوعين من وقتها قد تأكد الحمل ، بالطبع لا توصف سعادته أو سعادة الأمير الذى ارسل لها خادمة خاصة لترتاح أكثر ، لكن خالد قام بتغيير الخادمة ، فهو أعلم الناس بأبيه ، ويعلم أن هدفه الأول من الخادمة هو التلصص على جديد الأخبار ، وقد كان خالد حريص جدا على خصوصية علاقته بهدى . مرت الأيام بأسرع وتيرة ممكنة ، هدى مهتمة بدراستها وقد قطعت فيها شوطا جيدا ،وبالطبع المال والسلطة يلغى كل العقبات ، وجنينها كان بصحة جيدة ، و تم التعرف على جنسه فى الشهر الرابع لها ، وكان لهم ما أرادوا، لم يهدد استقرار نفسيتها إلا ارتباطها بجنينها الذى يزداد كلما زاد حجمه أو شعرت بحركته ، لم تعد قادرة على التفكير فى موضوع تنازلها عن طفلها ، فهو الآن ابنها ، جزء لا يتجزأ منها ، ولا تعلم ماذا تفعل الآن لتكون مع طفلها ولا تتركه ، قررت فتح الموضوع مع خالد ، وإيجاد طريقة لاستمرار وجودها مع طفلها ، انتظرت عودته فى نفس الليلة ، فلم تعد قادرة على الانتظار أكثر ، عاد من الخارج واتجه لمكتبه لينهي بعض الملفات ، قامت متوجهة لمكتبه ، طرقت الباب ودخلت ، بمجرد رؤيتها ، قام لها مبتسما ، أمسك بيدها واجلسها ، وعاد هو لكرسى مكتبه مرة أخرى ، كان يبدوا على وجهها الضيق وقد لاحظه بمجرد دخولها . وقبل حتى أن تتحدث بدأت عينيها تلمع من امتلائها بالدموع ، فتوقع خالد ما هى بصدده فبالنسبة له كانت مسألة وقت لا أكثر ،وتفتح الحوار فيه، ...فى موضوع كنت عايزة اكلمك فيه ، بس خايفة تدايق منى بس لازم نتكلم فيه ... المقدمة كانت دليل كافى على ما كان يفكر فيه صحيح ، فقد أتاحت له الفترة الماضية أن يعلم بشخصيتها جيدا ، فهى ليست من النساء اللاتى يتنازلن عن أطفالهم بسهولة . ...عارف ياهدى ، عايزة ايه ... ...عايزة أفضل معاه ... ...ولو قلتلك انه مينفعش. .. ...شوف طريقة ، أتصرف ... ...أذاى ، تفتكرى هيسمحولك ويسمحولى. .. ...أنت أبوه وأنا أمه ، إحنا بس ... لم يدعها تكمل كلمتها ...احنا ايه ، مفيش احنا عند فياض البدرى ، فى هو بس ، وده حفيده ، ومش هيتنازل عنه ... ...أنا مقولتش يتنازل عنه ... ...هو مش عايزه منك ياهدى ، الكل عارف ان ليان حامل ، وهتولد فى نفس ميعادك والطفل ده هيكون ابنها وده اللى هما عايزينه ومش هيغيروه ... ...وانت عايز ايه ؟ ...أنا مش هقدر احميكى منهم ، انا مجرد موظف فى شركاتهم ، سلطتى وفلوسى معتمدة عليهم ، لو حبوا يعملوا فيكى حاجة ،مش هقدر امنعهم ، انا خايف عليكى انتى ... هنا بدأت تفقد اعصابها تماما ، لم تعد قادرة على التحكم فى نفسها ، قامت من مكانها وهى تصرخ ...خايف عليكى ، خايف عليكى ، كل أما تتكلم تقول خايف عليكى ، انا مش عايزاك تخاف عليا ، انا عايزاك تتصرف وتخلينى مع ابنى ، حتى ولو خدامة ،ده ابنى ، ابنى انا ... بدأت تنهار وتفقد قواها ، حاول الاقتراب منها ، فلم تسمح له ، وابتعدت عنه خطوتين ، جلست على الأرض تبكى وهى تقول ...أنا عايزاه ، عايزاه ، مش هقدر اسيبه .... ...ارجوكى ياهدى ، اهدى لو سمحتى ، انتى كدة هتتعبى ، انتى فى السابع ، خلاص قربتى تولدى ، وبعدها نشوف هنعمل ايه ... ...لا ، انت بتكدب عليا ، انت ضعيف ياخالد ، ضعيف ، ومش هتقدر تعمل حاجة ، هتسيبهم يخدوه ، حتى مش هتقدر تحميه ، تحمى ابنك ، بلاش انا ، هتسيبهم يخدوه ، عشان انت ضعيف ، وأنا بكره الضعيف قدام اهله ، بكره الضعيف ، فاهم ، بكرهك ، بكرهك ياخالد بكرهك .... وهنا انهارت تماما ولم تعد قادرة حتى على حمل نفسها ، أغمضت عينيها ، ولم تعد تشعر بشئ ، صرخ خالد على الخدم وهو يحاول افاقتها، حملها واتجه بها لباب الشقة ومنها للاسانسير، ثم سيارته ، واتجه بها للمستشفى ، بعدما أخبره الطبيب أن حالتها غير مستقرة وضغط دمها منخفض جدا ، وايضا ضربات قلب الجنين مرتفعة ، وانقباضات الرحم فى اذدياد ، وهى عرضة الآن للولادة فى اى لحظة ، اتصل خالد بوالده ليخبره بما حدث ، وما هى الا دقائق معدودة حتى وصلت سيارة أسعاف خاصة بمستشفى اخرى ، تم نقل هدى اليها حتى تتسنى لهم الولادة دون تسجيلها، ************************ افاقت هدى بعد خمسة أيام ، وجدت نفسها فى العناية المركزة بالمستشفى، لم تعى الكثير غير أنها وحدها ولا يوجد مخلوق معها غير الممرضة ، وضعت يدها على بطنها، فأيقنت انه غير موجود ، تمت الولادة ، لكن أين هو ، سألت الممرضة عن الطفل وعن حاله ، فلم تفهم الممرضة عن أى طفل تتحدث ، استدعت الطبيب ، الذى بدا عليه إدراك ما يحدث وطلب من الممرضة إعطائها حقنة معينة ، وبعدها دخلت هدى فى ثبات عميق ، استيقظت بعدها بمدة معينة لم تعلمها ، لكن هذه المرة وجدت خالد بجانبها ، علمت بعد ذلك أنه أخبرهم فور استيقاذها، يتم الاتصال به ، سألته هدى وهى فى قمة الاعياء .... أخباره ايه ؟ هو فين ... ...كويس الحمد لله ، هو فى الحضانة ... ...ليه ؟ مش بتقول كويس ... ...أيوة كويس ، بس مولود فى السابع ، محتاج شوية اهتمام ... حاولت تعتدل وهى تقول ...عايزة اشوفه ، ودينى ليه ... ... هو مين . ؟... كان هذا الصوت صادر من عند الباب ، كان الأمير فياض بنفسه . وجه خالد له الكلام بعتاب ... اتركها ياأبى ، إيش تريد دالحين ، بعدها ضعيفة ، ماراح تتحمل. .. ...أخرج لو سمحت ياخالد ، أبى أتكلم معها ... ... لو سمحت ياأبى ... ...قلت أخرج ياخالد .. تطلع خالد لهدى بضعف وقلة حيلة ، ثم تركها وخرج ، كل هذا وهى تتطلع بعينيها بينهم لعلها تفهم شئ عن ابنها ، لم تفهم شئ ولكن انقبض قلبها فقط . اقترب منها الأمير ووقف أمامها فى قمة التكبر والغطرسة، ...عايزة اشوف ابنى ، هو فين ؟ ...اتكلمنا فى هاالموضوع ياهدى ، هاى الطفل ما سار ابنك ، هاد ابن ليان ، وهو عندها ، واتكتب باسمها ... اعتدلت هدى بضعف وهى تقول ...يعنى إيه عندها ، يعنى هو مش هنا ... ..،لأ ، المفروض اتكلمنا واتفقنا من وقتها ، إيش تريدى ، انتهى الموضوع ... ...مش عايزة حاجة ، ابنى وبس ... ...قلتلك ، ما سار ابنك ، اعتبريه ماكان ، ما تضطرينى اعمل معك شئ ما راح تحبيه ... ...أعمل اللى انت عايزه ، مبقتش تفرق ... ...لأ تفرق ياهدى ، لما يكون المقصود والدتك ، راح تفرق ... ...مالها أمى ، مالك ومالها ... ...مثل ما هسجنك بقضيتك القديمة ، راح اسجنها بمديونيتها اللى ابتعتها من أصحابها ، وراح اضيعلك خواتم البنات واحدة واحدة ، ما راح أغلب فيهم ، إيش رأيك فى هاد ... ...الشيكات اللى على أمى اتقطعت ... ..الشيكات معى ، اللى اتقطع ماهو حقيقى ، مزور ... بدأت دموعها تنهار شلالات على خدودها وهى تقول ...أنتى مش بنى ادم ... ...احرصى لسانك ، وإلا راح اقصهولك ، الاختيار ليكى ، أما تعودى بلدك معززة مكرمة ، ومعك مصارى تكملى بيها بقية حياتك ، أما تموتى هنا فى سجنك وتبعتك بقية اهلك ... وتركها منهارة وخرج من الغرفة ، دخل خالد بعده فوجدها على هذه الحالة ، بمجرد أن حاول الاقتراب منها ، رفعت يدها له وهى تقول ....مكانك ، كفاية كدة ، مش عايزة اشوفك تانى ، روح لحالك ... ...هدى ... ...قولتلك روح لحالك ، وعلى رأى ابوك ، الموضوع خلاص انتهى ... خرج خالد ودموعه تلمع فى عينيه ، فوجئ بأبوه يقف أمام باب الغرفة ، رفع عينيه له وهو يقول ..،هيك ارتحت ... ... وما راح يكون لك أى صلة بهاى البنت مرة تانية ، وإلا راح اسوى تهديدى إلك وإلها ، بتفهم هاد ... "قلب أرهقته الحياة. ........الفصل الرابع والعشرين يومان فى المستشفى وثلاثة فى المسكن الذى كانت تقطنه مع خالد ، قضتهم هدى تحاول فيهم استيعاد قوتها لتعود لمصر ، لكن حزنها على وليدها كان حائلا دون ذلك ، فحقيقى لا تشعر الأنثى بأمومتها الحقيقية إلا فى وجوده وهو ينمو فى احشائها ، ترتبط به يوم بعد يوم ، حتى وإن لم تراه كما الحال مع هدى . لم تشعر هدى بالوحدة والذل والمهانة كما حدث فى هذه الأيام القليلة ، فقد تركت وحيدة تماما حتى دون خالد ، فلم يسأل عنها ولو مرة واحدة بعدما حصلوا على ما أرادوا منها . هى الآن هنا لاشئ ، لا قيمة ، فقط مجرد أنثى منتهكة ومجردة من كل شئ ، آدميتها ، كرامتها ، انوثتها، مشاعرها ، والأهم ولدها ، الرضيع الذى ولد قبل أوانه بشهرين ، ولم يشفع ذلك لهم ليتركوه لأمه حتى يكتمل . لم تسأل عن الأموال التى وعدوها بها ، أو حتى شيكات أمها ، لم تفكر فى اى شئ ، فقط عقلها متجمد ، تعيش فى حالة تجهم غريبة ، ترفض كل شئ ، ترفض الحياة نفسها ، أصبحت هدى مجرد أنثى تعيش لتتمنى الموت ،،،، ********************* بعد ثلاثة أيام من خروجه من المستشفى التى تم تسجيلها فيها على أنها حالة استئصال مرارة ، وليس الحقيقة ، ولادة ، اتاها شخص من طرف الأمير ، بجميع الأوراق الخاصة برجوعها ، مع ورقة إخلاء طرف من العقد المنصوص عليه بينهم ، وجميع مستحقاتها المادية الخاصة بهذا العقد ، وبالطبع الشيكات الحقيقية الخاصة بوالدتها ، بالإضافة لاوراق معتمدة من أحد البنوك الدولية بإيداع مبلغ يتعدى الخمسة ملايين ريال سعودي ، وبالطبع لم يغفل الرسول عن أن يبلغها ببعض من تهديدات الأمير وتنبيهاته بخصوص عدم الرجوع عن القرار الذى اتخذته ، وإلا لن تجد غير ابواب الجحيم تفتح عليها وعلى عائلتها. وفى النهاية أعطاها أوراق حجز وتذكرة طائرة لليوم التالى ، ودعت هدى المملكة السعودية ، ومعها ودعت هدى القديمة ، ودعت نفسها ، ودعت طفلها الذى لم تراه ، ودعتهم بدموع قلب ودعاء وتضرع لخالقها بالجمع بينها وبين طفلها فى يوم من الأيام . عادت لمصر بشخصية جديدة تماما ، هدى جديدة ، شخصية أكل الحزن والذل قلبها وكرامتها ، أصبحت أنثى حاقدة على الحياة وكارهة لها ، فياترى هل سيتم ترميم قلبها مع الزمن ، هل ستعود للحياة ، هل ستعود هدى القديمة أو حتى أنثى جديدة تنسى الماضى وتتصالح مع المستقبل . **************************** ،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،، وبعد مرور 7 سنوات ............
